name='twitter:creator'/>

القائمة الرئيسية

الصفحات



عذراء القبيلة

 
فسيفساء من عاصفة واهية تهب بين اللحظة والأخرى تفترش مترا هنا وأخر هناك دون أن تلطف من حرارة الجو ألهبت الشمس جذور القمح المحصودة حتي كادت من لمس الأقدام تشتعل، الفلاحون هجروا الحقول ولزموا البيوت يغرقهم العرق وتخنقهم الرطوبة.
‏الكل لزم المنازل الا هذه البدوية  السابحة  بملابسها الفاقعة الألوان في سراب الظهيرة ‏المضمخ بالصهد ورائحة العشب  الساخن تهش نعاجها فى عينيها لهيب الشمس وعطش الشراقى ذات أهداب طويلة متناسقة زادها الكحل فتناً وجمالاً زادتها الشمس تورداً وجمالاً نضت عليها ثوب الفتنة` وأهدت وجهها استدارة القمر مهرة عربية أصيلة نبع من اللؤلؤ يتدفق علي وجنتيها تنساب كقطرات الندي علي أوراق الورد عند الصباح فيطفئ لهيب وجنتيها .. لوحة بديعة ونهر خصب للإبداع .. أفقت علي نغمات تنساب من ثغرها، صوت عذب رخيم
·       أي ليش هيك واقف؟؟
·       ................
·       أنت ... أنت
·       أفقت من هذا الخدر اللذيذ
·       بَعِد .. بَعِد
لم استطع الرد، وتمنيت ان أبقي هكذا أهيم في دهاليز هذه النغمات الحالمة.
·       أيش تريد؟؟ ... بعد
·       أريدك
·       بعد يا مجنون بعد .. نحن قوم عاداتنا غيركم
لا يمر يوم إلا وأقترب من مكانها وأراها عن كثب .. أيام طويلة مرت كالدهر وأنا أحاصرها من كل اتجاه وهي المدينة الحصينة التي استأبي علي اقتحام حصونها.
   حانت الفرصة عندما أصابت الشمس قطيعها وبدأت تتساقط واحدة تلو الأخري، لحظتها ولأول مرة وجدت القلق والهلع ينهش وجهها البكر.
   هرولت مسرعا طمأنتها .. لحظات وكان كل شيء علي مايرام ، ابتسمت ابتسامة رضا قائلة .. شكرا ياطبيب يا مشاغب.
-         كم بتريد؟
-         أريدك
-         لا تعد إلي هذه المشاغبات
-         ليست مشاغبات .. أنت مشرقة ومبهرة كشمس ولدت لتوها من رحم الصباح.
-         خبرني كم تريد؟
   كنت أعرف أنها لا تحمل من النقود شيئاً .. وقد صدق حدسي، فلقد  توردت  وجنتيها عندما تذكرت أنها لا تحمل معها نقوداً، اعتذرت عن ذلك راجية ان أمهلها حتي تحضر لي ما أريد.
أفهمتها أنني لا أتقاضي أتعاب عن مثل هذه الأعمال البسيطة، التقت نظراتنا .. فتجلت في عينيها لحظة خضوع وامتنان ، لم أعهدها فيها من قبل.
   كل يوم تنحرف بنعاجها عند الصفصافة العتيقة
تزينت الصفصافة في ذلك اليوم، رأيتها في أجمل وابهي صورة وكأن بي لم أرها من قبل بهذه الصورة الرائعة تتراقص أغصانها نشوة وطرباً.
   وجدتها طفلة تخوض امتحان لأول مرة يفترس الخوف والخجل شفتيها وأناملها، غاص رضابها وتاه منها الصوت، تناولت يدها فخطفتها ملتاعة كمن لدغه ثعبانوانطلقت هاربة صوب القطيع .. أرض بكر لم تشوهها حياة المدنية ولم تمزقها صراعات العالم .. لذا كان علي أن انتظر كي لا تتبعثر فطرتها .. احترمت خوفها وترددها فالأيام كفيلة بذلك.
مرات ومرات عن الصفصافة نلتقي في كل مرة تنهار الحصون ويذوب الخوف والتردد ينساب الحديث بيننا في رقة وعذوبة كالنهر الرقراق .. فهي المثقفة رغم أميتها فكل حياتها بين القطيع نهاراً ومع الأحلام عندما يستبد بها التعب وتستسلم للنوم علي أرض الخيمة القاسية.
يوماً سالتني:
·       باي لهجة أحب أن تحدثني
  فقلت: حدثيني بما شئت فلم تكن اللهجات يوما لغة للتفاهم .. فبحور عينيك أثبر أغوارها وأسبح فيهال بسهولة سباح محترف.
   تهادت ضحكاتها في خجل وسعادة
قالت: اسمع سوف اغني لك وانساب صوتها كالنسيم يهدهد القلب
وقف يا أسمر فيه إلك عندي كلام
قصة عتاب وحب وحكاية غرام
هالبنت ياللي بيتها صوب الطريق
فجأة توقفت وانحدرت دموع علي وجنتيها، امتدت يدي مسحت عنها تلك العبرات .. تناولت يدي برفق وطبعت عليها قبلة حانية، فجأة اغرورقت عيناها بالدموع وتساءلت لماذا يجب أن تكون حياتنا بهذه القسوة والجفاء والبداوة .. نكتوي بلهيب الشمس صيفاً وينخر الزمهرير عظامنا شتاءاً في خيمة لا تكاد تستر عوراتنا ولا تمنحنا خصوصية .. من أجل كسرة خبز وجرعة ماء مثل هذا القطيع .. تحكمنا عادات وتقاليد عقيمة ثم صمتت.
قلت لها كم تحبين فيرزو
قالت أحبها وأردد أغانيها بيني وبين نفسي  لما بيكون بالي مرتاح أبحث عنها في الراديو ومابلقاها، سلوتنا الوحيدة في الراديو ففيه الأغاني والبرامج ونشرات الأخبار ، أحياناً تصطدم أذناي بكلمات وعبارات لا أدرك معناها، أسماء لدول مزقتها الصراعات والحروب دون أسباب واضحة وأخري بغت علي من هي دونها ، لا أعرف أين هذه الدول منا، أما السينما فنعرفها من أجدادنا وآبائنا وأشقائنا ثلاثة أجيال لثلاثة مراحل ... لكن لا أخفي عليك خبرا"
حكايات جدي وأبي دائما مشوقه فهم يحكون لنا عن الأفلام الرومانسية الجميلة يهدهدون بها أيامنا القاسية فينسوننا مشقة وقسوة حياتنا، باختصار هذا العمر الجميل الذي لم نعشه.

تعليقات

التنقل السريع